محمد هادي معرفة
248
التمهيد في علوم القرآن
وبعد فإليك نماذج من محاولات بذلت للحصول على تلك الوحدات الموضوعية التي تشتمل عليها كل سورة لذاتها بحيث كادت تقرب من نظم التأليف من ديباجة ومقاصد وخاتمة في تبويب رتيب ، حصولا على قدر الجهد المبذول ، واللّه من وراء القصد . سورة الفاتحة : ما يشتمل عليه هذه السورة القصيرة من نظم وترتيب طبيعي ، هو من أبدع النظم التي تصوّر موقف العبد تجاه ربّه الكريم ، في ضراعة وخشوع ، مسترحما مبتهلا إيّاه تعالى أن يهديه سواء السبيل وينعم عليه بأفضل نعمه وآلائه ، في أسلوب جميل وسبك طريف . إنّ هذه السورة المباركة انتظمت من ثلاثة مقاطع ، كل مقطع مرحلة هي مقدّمة للمرحلة التالية في تدرّج رتيب ، ويتمثّل خلالها أدب العبد الماثل بين يدي مولاه . تلك مراحل يجتازها في إناقة يريد مسألته . يمجّده أولا ، ثم ينقطع إليه كمال الانقطاع ، وأخيرا يعرض حاجته في أسلوب لطيف : ينتقل من الغيبة إلى الخطاب ، وكأنه كان في حجاب عن وجه سيّده المتفضّل عليه بالإنعام ، ثم مثل بين يديه وحظي بالحضور . قالوا « 1 » : إنّ العبد إذا افتتح حمد مولاه الحقيق بالحمد - عن قلب حاضر ونفس ذاكرة لما هو فيه بقوله : « الحمد للّه » الدالّ على اختصاصه بالحمد ، وأنه حقيق به - وجد من نفسه لا محالة محرّكا للإقبال عليه . فإذا انتقل على نحو الافتتاح إلى قوله : « ربّ العالمين » الدالّ على أنه مالك للعالمين ، لا يخرج منهم شيء عن ملكوته وربوبيته - قوى ذلك المحرّك . ثم انتقل إلى قوله « الرحمن الرحيم » الدالّ على أنه منعم بأنواع النعم جلائلها ودقائقها ، تضاعفت قوّة ذلك المحرّك . ثم إذا انتقل إلى خاتمة هذه الصفات العظام ، وهي قوله : « مالك يوم »
--> ( 1 ) الزمخشري في الكشاف : ج 1 ص 14 .